إنه لا يكفي أبداً أن نكونَ أحرارً





إنه لا يكفي أبداً أن نكونَ أحرارً 








إن استعمال الحرية كاستعمالِ المستحضرات والعقاقير الطبية ، لا يمكن أن يكون بغير مقاييس ومعايير وضوابط . و إلا كانت الحرية قاتلة .
وللحرية دائماً جانبان متعادلان . جانب يختصُّ بنا ، وجانبٌ يختصُّ بالآخرين . وكل محاولة منا لنسيان الجانب الآخر ، يفقد الحرية معناها الأساسي ، ويجعلها طغياناً .
لقد ولدتنا أمهاتنا أحراراً بغيرِ شك . . ولكنَّهن لم يلدننا في الغابة ، وإنما ولدننا في إطار بيت ، وأسرة ، ونظام اجتماعي نشترك في تأسيسه مع الآخرين .

إنَّ الحرية بحرٌ لا ساحلَ له . . يركبه الرواد والمكتشفون ، ويركبه القراصنة وسمك القرش ...
ونحن بالطبع نرفض الحرية التي ينادي بها سمك القرش .. ، لأنها تقومُ أساساً على الجريمة ، والنشل ، والمتاجرة بلحوم الآخرين .. ، إنَّ التاجر الذي خبَّأَ في حرب تشرين أكياس السكر والرز والطحين ، وباعها بضعف أسعارها هو سمكة قرش ... ، وصاحب مستودع الأدوية الذي ضاعف أسعار القطن ، والشاش ، والمصل التي احتاج إليها الجنود العرب الجرحى خلال حرب تشرين ، هو سمكة قرش .. ، وأصحاب مستودعات الخشب ، والحديد ، والورق ، الذين جمعوا خلال الشهور الأخير ثرواتٍ خرافية لم يجمعها روكلفر ، ولا أوناسيس ، ولا آغا خان ، ولا أي مهراجا هندي ... هم أسماك قرش لا زالت تتنزه على شواطئ البحر الأبيض المتوسط . ، هذه أتفه أنواع الحريات وأحقرها .. إننا مع الحرية بدون تردد .. ومع الأحرار إلى آخر الشوط .. ، شريطة أن يكون لهذه الحرية ضابطٌ أخلاقي ، وعقلاني ، وثقافي ، وقومي ، يجعلها في خدمة الإنسان ، وفي خدمة المثل العليا ..
إنه لا يكفي أبداً أن نكونَ أحرارً ... وإنما لا بُدَّ لنا من أن نستحقَّ حريتنا .



من مقالات كتاب ( الكتابة عمل انقلابي - نزار قباني )

رابط تحميل كتاب الكتابة عمل انقلابي 

إنه لا يكفي أبداً أن نكونَ أحرارً إنه لا يكفي أبداً أن نكونَ أحرارً Reviewed by Unknown on سبتمبر 03, 2015 Rating: 5

هناك تعليق واحد:

  1. مقالة معبرة فعلا في زمن اصبحت فيه الحرية مساء فهمها

    ردحذف

يتم التشغيل بواسطة Blogger.