الجميلون يثيرون شهيةَ الموت وغسان من هؤلاء!




الجميلون يثيرون شهيةَ الموت وغسان من هؤلاء!






رندة تظل تقول لي: هل تعتقدين أن غسان لا يعرف ما يدور الآن؟ إنه يعرف أكثر منّا كلّنا. لكن الشيء الذي يعذبه أنه لا يستطيع أن يكتب زي زمان.
وتقول لي: كل الجميلين يثيرون شهيةَ الموت، وغسان من هؤلاء. أسألها، ولماذا؟ 
فتقول لي لأنهم جميلون، الموت يحسّ بوجودهم ما إن يولدوا، ولذلك يحاول الانقضاض عليهم منذ البداية، أحيانا ينجح وأحيانا لا ينجح، بعض هؤلاء الجميلين يتنبه، ويسمع خطوات الموت فور نـزوله من بطن أمه، صحيح أنكِ لا تستطيعين رؤية رضيع يركض في الشوارع محاولًا الفرار من ذلك الفَناء الذي يلاحقه، لكنه يكون يفعل ذلك، وغسان من هؤلاء، بل كان أسرع من كثيرين.

ولكن هل تعرفين لماذا يركض يا آمنة؟ لا، ليس ليهرب، فالمسألة 
أشبه بسباق مجنون، سباق لا رحمة فيه، فإذا استطاع الموت أن 
يدرك الراكض يأخذ روحه ويأخذ كل الأشياء الجميلة التي كان 
يمكن أن تصبح مُلك ذلك الشخص لو أنه سبق الموت.

الجميلون يا آمنة يصبحون جميلين فقط، لأنهم استطاعوا 
الوصول إلى الأشياء التي يحبونها، الأشياء التي نحبها، الأشياء 
التي تحبها الحياة.
والموت يا آمنة، لا يرحمهم، هؤلاء، لكنهم لا يرحمونه، يحررون 
الأشياء الجميلة منه حين يصلونها أولا، يحررون الوردة والشجرة 
العصفور ونافذة البيت وصهيل الحصان والشمس والمطر، 
يحررون الفراشة والنّمر والغزال.

قد لا تصدقينني يا آمنة، ولكن سأسألك سؤالًا واحدًا: هل تعتقدين 
أن هذا العالم كان من الممكن أن يكون لو لم ينتزع هؤلاء الجميلون 
جمالَ العالم من بين فكي الموت؟ هل تعتقدين أن الموت كان يمكن 
أن يُبقي لنا أي شيء هنا لولاهم؟! غسان كان يفعل ذلك، ولأنه 
يُدرك تمامًا أن الصّراع أكبر ..

أنظري ماذا فعل، خلال ست وثلاثين سنة، ترك لنا كل هذا 
الجمال، لا بل أقل من هذه المدة، فحين أدرك أن خطى الموت 
تزداد اندفاعًا وراءه، كتب في أقل من ستة عشر عامًا كلّ ما كتب.

أتعتقدين أنه كتبَ ما كتبَ لأنه يحبّ الكتابة فقط؟ لا، لا يمكن أن 
يكون الأمر كذلك، ولو كان، لكان ثلاثة أرباع البشر كتّابا يا 
آمنة، غسان كَتَبَ ما كتب لأنه يحبّ الحياة، يحبنا، ويحبني 
شخصيًا!

انظري الآن، أحيانا أخرج لحوش البيت، وأرى الموت يُحَلِّق في 
طائرة الآباتشي أو طائرة أف 16 ، فأعود للداخل بسرعة أحمل 
مجلدات غسان، أرفعها إلى السماء وأصرخ: تستطيع أن تفعل كلَّ 
شيء ولكنك لن تستطيع قتل هذا، لقد سبقك وفُزنا بهذا كلّه، هل 
نسيتَ؟

..

من رواية أعراس أمنة أحد أجزاء الملهاة الفلسطينية - ابراهيم نصرالله
الجميلون يثيرون شهيةَ الموت وغسان من هؤلاء! الجميلون يثيرون شهيةَ الموت وغسان من هؤلاء! Reviewed by Unknown on أغسطس 25, 2015 Rating: 5

هناك تعليق واحد:

يتم التشغيل بواسطة Blogger.